اسماعيل بن محمد القونوي
257
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ذلك من مقدماته والإضافة لكمال قربه وفيه تأمل قوله ثم إنه لأهل الكمال الخ داخل في جواب النقض أشير إليه بالعطف بثم دون الواو فلا تغفل فلا إشكال بأنه لا يظهر كونه من النعم لأن انتفاء الضرر ليس عين النفع ولا ملزومه مع أنه يمكن المناقشة بأن انتفاء الضرر نوع نفع والقول بأن دفع الضرر أهم من جلب النفع الوجودي وكل أهم هو النفع الأتم وبهذا يظهر كون الموت نفعا لكل أحد « 1 » بخلاف ما ذكره المص فإنه مختص بأهل الكمال والمراد بالمحاب نعيم الجنة ورضوان اللّه ورؤيته تعالى وهي جمع محبوب أصله محابب . قوله : ( ولأن المرض في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه ) ولأن المرض الخ عطف على قوله لأن مقصوده وهذا مختار الزمخشري حاصله أن المرض إنما يحدث بالسبب الذي هو منسوب إليه بالكسب الظاهر فجعل كأنه فاعل حقيقي له بخلاف الصحة فإنه ليس للإنسان سببية ظاهرة في الصحة وأما ما يحصل بالعلاج فليس بمطرد مع أن أهل القرى يمرضون ولا يعرفون شيئا من الحمية والعلاج وتناول الأشربة المضادة للمرض ويشفيهم اللّه تعالى بدون كسب من الإنسان فهو بالنسبة إلى الصحة لا يكون كالفاعل الحقيقي ولذا قال عليه السّلام وإذا مرضت يتعاطى الأسباب المؤدية إلى المرض فهو يشفين بلا كسب الأسباب المؤدية إلى الصحة . قوله : ولأن المرض في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه ومن ثمة قالت الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم وفي معناه أنشد صاحب المطلع : عدوك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام ومن شراب وقال بعض الفحول من شراح الكشاف وهو يرد على الزمخشري فإن الموت أيضا يكون بتسبب وتفريط فلا بد أن يفرق بين الموت والمرض بأن يقال إن الموت قضاء محتوم على جميع البشر بخلاف المرض فكم من مريض يعافى منه إلى أن يموت فلا يكون نسبته إلى اللّه تعالى سوء أدب ويؤيده أن كل ما ذكر مع غير المرض ذكره جزما وبتا وأما المرض فذكره مع الشرط وقال الطيبي في سر ذكره مع الشرط دون البواقي أن قوله تعالى : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [ الشعراء : 77 ] وارد على الاستدراج وارخاء العنان فيكون قوله : إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] تخلصا منه إلى التمكن من إجراء الأوصاف التي بها يصح معنى الإلهية من كونه خالقا ورازقا محييا ومميتا معاقبا ومثيبا ترفية لمعنى النصح والاستدراج وبعثا على التفكر والتدبر وأما ذكر المرض والشفاء فكالتابع لمعنى الإطعام والسقي ولذلك ترك فيها الموصول إلى الشرط والجزاء فروعيت فيهما تلك النكتة وفي المطلع دخول لفظ هو دليل على أنه لا يهدي ولا يطعم ولا يسقي ولا يمرض ولا يشفي إلا اللّه وحده وذلك أنهم كانوا يقولون المرض من الأشربة والأغذية والشفاء من الأطباء والأدوية .
--> ( 1 ) إلا أن يقال إن الكفار يبتلون بالمحن بعد الموت أعظم من المحن في الدنيا .